اخبار لبنان / تيار المستقبل

مباشر الخميس 1/12/2016 - التقرير السياسي لمؤتمر "المستقبل": تشديد على عروبة لبنان والتمسك بالاعتدال

>

مباشر الخميس 1/12/2016 -

ينشر الموقع الرسمي لـ"تيار المستقبل"، اليوم، "التقرير السياسي" الذي أقره المؤتمر العام الثاني لـ"تيار المستقبل"، الذي انعقد يومي السبت والأحد في 26 و27 تشرين الثاني 2016.

وفي ما يلي نص التقرير كاملاً:    

 

مقدمة

بين المؤتمر الاول في تموز العام 2010 وبين مؤتمرنا اليوم، واجه تيار "المستقبل" مساراً محفوفاً بالاحداث الكبرى والتحولات المحلية والعربية والاقليمية، وخاض غمار مواجهات سياسية مع الخارجين على الاجماع الوطني والعابثين بقواعد السلم الأهلي، وتصدّى لموجات متلاحقة من التحديات الأمنية، تمثّلت في الحرب المستمرة لاستهداف رموزه وقياداته، ومسلسل الاغتيالات الذي طال رئيس شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي اللواء الشهيد وسام الحسن والوزير السابق الشهيد محمد شطح، وما رافقه وتلاه من مشاريع فتن خطّطت لاختراق البيئات الشعبية للتيار في بيروت وطرابلس وعرسال وعكار والضنية والمنية وصيدا واقليم الخروب وشبعا والبقاعين الغربي والأوسط، وكل جهة تنتشر فيها أعلام الوفاء للرئيس الشهيد رفيق الحريري.

قبل المؤتمر الأول وبعده، التزم التيار، قيادة وقواعد، القرار الذي لا عودة عنه، بأن لا مرجعية تعلو على مرجعية الدولة، ولا سلطة تتقدم على سلطتها، ولا ارادة تطغى على ارادتها. فرفض مجاراة الآخرين في استخدام السلاح وسيلة لبت الصراعات السياسية، ولم ينجرّ تحت وطأة الاستفزاز اليومي والتحريض المتواصل، إلى أي تصرّف يناقض أهدافه في حماية الدولة والسلم الأهلي، وفي اعتبار الاعتدال السلاح الأمضى في مواجهة المتربّصين باستقرار لبنان ومسؤولية الدولة ومؤسساتها الشرعية عن ادارة الشأن الوطني.

غير أن التطورات الاقليمية الداهمة والمتغيرات السياسية والانسانية والأمنية التي شهدناها على وقع الحروب المستمرة في سوريا والعراق واليمن وليبيا، وضعت لبنان، ومعه تيار "المستقبل"، أمام لوحة جديدة من المخاطر والتحديات، رسمت خطوطها العريضة الادارة الاميركية للرئيس باراك اوباما، باعلان الانسحاب، عسكرياً، من العراق، وسياسياً، من المنطقة، الأمر الذي شرّع الأبواب أمام نفوذ إيراني مترامي الأطراف والأهداف، نفّذ أوسع عملية إنزال مذهبي في المجتمعات الوطنية العربية، كان من نتائجها المباشرة، تعطيل المؤسسات الدستورية في لبنان، والتخريب على المصالحة الوطنية في العراق، وتسميم الثورة السورية بوباء الحرب الأهلية والتنظيمات الارهابية، وقطع الطريق أمام مخرجات الحوار الوطني في اليمن والعراق.

لقد وضعت هذه التطورات لبنان في قلب العاصفة، خصوصاً ان فريقاً من اللبنانيين، هو "حزب الله"، قرّر في إطار الخضوع للمرجعية الايرانية، تولّي مهمات قتالية وعسكرية في سوريا وبلدان عربية أخرى، الأمر الذي شكّل خروجاً صارخاً على المواثيق والقوانين المتعارف عليها بين اللبنانيين، يضاف إلى سجلّه الحافل في الخروج على مقتضيات العمل الوطني، وتجاوز الحقوق الحصرية للدولة باستخدام السلاح وتحديد السياسات المتعلقة بالسلم والحرب.

وإذا كان "حزب الله" قد استهدف الاعتدال اللبناني المتمثّل بتيار "المستقبل"، مع الانقلاب على حكومة الرئيس سعد الحريري في 2011 (بعد 7 أيار في 2008)، فإن الاعتدال العربي، كان الهدف التالي للحزب، مع تجاوزه لـ"إعلان بعبدا" والتدخّل عسكرياً في سورية واليمن والعراق، علاوة على التحرّش السياسي والأمني في شؤون دول عربية أخرى، ما أدّى إلى تهديد علاقات لبنان العربية، وخصوصاً مع المملكة العربية السعودية، التي رفض التيّار أن يكون لبنان منصّة إيرانية لتنظيم الحملات ضد دورها ومكانتها وقيادتها كما ضدّ انتمائه العربي.

وسط هذه المناخات، كرّس تيار "المستقبل" جهده في الداخل والخارج، لحماية لبنان من تداعيات الحروب المحيطة، واقفال المنافذ أمام الفتن وأدواتها، فيما كان "حزب الله"، يخوض معركة الدفاع عن النظام السوري وإرساء منظومة الممانعة الإيرانية في المنطقة.

وبين الردّ على الربيع اللبناني الذي انطلق في 14 آذار 2005، وردّ إيران وميليشياتها في المنطقة من جهة و"داعش" وأخواتها من جهة أخرى، على الربيع العربي الذي انطلق من تونس وانتشر الى ليبيا وسوريا ومصر، أضحى الربيعان اللبناني والعربي في مواجهة مباشرة مع تطرّفين يشكّلان وجهين لعملة تفتيتية واحدة للعرب: التطرف الايراني الذي عمل على مذهبة الصراعات السياسية العربية، والتطرف الداعشي الذي توسل الدين لضرب الاحلام العربية بالتغيير. وهما تطرفان تناوبا على ضرب الاعتدال العربي، وكادا أن يغيّرا وجه المنطقة، لولا الصحوة التي قادتها المملكة العربية السعودية تحت شعار "عاصفة الحزم"،ونجحت في فرملة التوغّل الإيراني في اليمن وأعادت رسم التوازنات في الإقليم.

إزاء ذلك أصبح تيار "المستقبل" أمام خيار من اثنين: إما المشاركة في تدمير الدولة والانزلاق الى مواجهة مفتوحة مع القوى التي تفكّك أسسها وتنتهك دساتيرها، وبذلك يصبح نسخة طبق الأصل عن هذه القوى وشريكاً لها في عملية التدمير، وإما التوجّه نحو إطلاق المبادرات وتحريك المياه الراكدة واستنفاد كل جهد ممكن للدفاع عمّا تبقى من الدولة ومؤسساتها،وحمايتها من السقوط.

لقد اختار تيار "المستقبل" أن يقف في خط الدفاع الأول عن الشرعية اللبنانية وصيغة العيش المشترك، وهو لن يتخلى عن هذه المسؤولية مهما بلغت التحديات.

 

التقييم العام والتحديات

واجه "تيار المستقبل"، وواجه لبنان، خلال الفترة الممتدة من 2010 حتى 2016، سلسلة أحداث واستحقاقات أبرزها:

ـ       تداعيات مبادرة السين - سين التي سبقت انعقاد مؤتمرنا الأول، وانتهت إلى تعطيل قيام مصالحة عربية - عربية، أرادتها المملكة العربية السعودية مدخلاً لمعالجة الأزمة اللبنانية، الأمر الذي غدرت به القيادة السورية واستخدمته وسيلة لاخضاع القرار الوطني لارادة المحور السوري - الايراني وأتباعه في لبنان.

ـ       الانقلاب على حكومة الرئيس سعد الحريري عبر الاعلان عن استقالة وزراء الثلث المعطّل.

ـ       اندلاع الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد، وتدخل ايران وحزب الله العسكري لحماية النظام وقمع الثورة، وفتح الحدود أمام الإرهاب وقياداته، ما أدى إلى عسكرتها وتشتت قواها، ودخول سوريا في حروب طاحنة اجتمعت على المشاركة فيها قوى دولية واقليمية، بينها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الاميركية، وروسيا التي اخذت جانب النظام وحليفه الإيراني في المنطقة.

ـ       التحديات التي واجهها التيار لتحييد لبنان عن الفتنة الاقليمية، وتصاعد حدة الصراع المذهبي، على وقع التطورات في سوريا والعراق واليمن.

ـ       التهديدات الناجمة عن عودة موجة الاغتيالات السياسية التي طاولت الشهيدين وسام الحسن ومحمد شطح، والمخاطر والمواجهات الامنية التي استهدفت طرابلس وصيدا وعرسال وبيروت وغيرها.

ـ       انهيار الجيش العراقي والاعلان عن قيام دولة داعش في الموصل والرقة، ما أتاح سقوط العراق تحت هيمنة الحرس الثوري الايراني وادواته المستحدثة من الحشد الشعبي والميليشيات المذهبية المسلحة.

ـ       قيام ايران بتمويل وتنظيم وتسليح الانقلاب الحوثي على المصالحة الوطنية في اليمن، ومساعدة الميليشيات على احتلال العاصمة صنعاء.

ـ       الفراغ الناشىء عن استقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي سنة 2014، وانسداد الأبواب أمام تشكيل حكومة جديدة، لم تلبث أبصرت النور بمبادرة من الرئيس سعد الحريري.

ـ       عجز المجلس النيابي عن انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

ـ       صدور تكليف إيراني لحزب الله باتخاذ بيروت منصة سياسية واعلامية للتحريض ضد المملكة العربية السعودية وما ترتب على ذلك من تخريب متعمد لعلاقات لبنان باشقائه العرب، ووقف المساعدات التي كانت مقررة للجيش والاجهزة الامنية.

ـ       تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وتصاعد موجة الاعتراض على الخلل البيئي في البلاد وعدم ايجاد حلول جذرية لأزمة النفايات.

ـ       تفكك قوى الرابع من عشر من آذار على وقع الخلافات في وجهات النظر حول سبل ملء الشغور في موقع رئاسة الجمهورية، وقوانين الانتخابات النيابية المقترحة.

ـ       الانتخابات البلدية التي شكّلت مناسبة للوقوف على عوامل التقصير والضعف التي اعترت البنى التنظيمية والسياسية للتيار، وتستدعي من المؤتمر مقاربة موضوعية وصارمة لتصحيح أوجه الخلل ومعالجة الثغرات.

إن أصول العديد من هذه المشكلات والتحديات تعود إلى ما قبل العام 2009.بيد أنّ المقصود هنا التركيز على المسار السياسي والأداء السياسي للتيار، وسط ظروف الحصار والتأزم خلال السنوات الست الماضية.

وقد تحركت خلال تلك الأعوام، في السياسة والإدارة والخدمات، ثلاث هيئات من التيار بشكل شبه منفصل أو غير منسَّق: رئيس التيّار، والكتلة النيابية للتيّار، والأمانة العامة للتيار والأجهزة التابعة لها. في حين انشلّ المكتب السياسي تماماً، ولم يجتمع المجلس المركزي إلا ثلاث مرات. وكان لضعف التنسيق بين الهيئات الثلاث آثار سلبية، سواء في ما يتصل بالخطوات والمبادرات، أو في ما يتصل بالمتابعة والتداعيات، وأخيراً ما يتصل بوجوه القصور والتقصير وضآلة الفاعلية.

وطرح ذلك تساؤلات بشأن بنية التيار وعمله لجهة السياسات المعتمدة، ولجهة العلاقة بين القيادة والتنظيم، ولجهة العلاقة بين التنظيم والجمهور.

 

مبادرات رئيس التيار

تحت وطأة التحذيرات والمخاطر الامنية غاب رئيس التيار أربع سنوات عن لبنان، بعد الانقلاب السياسي والأمني الذي قاده "حزب الله"على حكومته، وأدى الى قيام حكومة اللون الواحد. لكنه لم يتوقف عن تحمل مسؤولياته وطرح المبادرات السياسية للتخفيف من حِدّة الأزمات، واقتراح الحلول للمشكلات المفتعلة.

ـ       بادر الرئيس الحريري، شخصياً، وبواسطة الأجهزة الحكومية والأمنية المختصة، الى استيعاب المشكلة الأمنية في طرابلس، وتطويق المحاولات المستمرة لبقايا المخابرات السورية لاثارة الفتنة والفوضى في المدينة، كما سارع الى حماية صيدا من اخطار مماثلة، واحتواء تداعيات الأزمة السورية على عرسال، والوقوف مع المؤسسات الامنية الشرعية، والحيلولة دون استيلاء مسلحي حزب الله وميليشياته على المدن والبلدات المحاذية للحدود الشرقية والشمالية مع سوريا.

وبالفعل فإنّ تدخل الرئيس الحريري جنَّب صيدا وعرسال الكثير من التداعيات، وعمل على تطويق المأساة في طرابلس باجراء مصالحة بين جبل محسن ومحيطه في اجتماع عقد في دارة مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار، قبل أن تنقلب ما يسمّى بـ "سرايا المقاومة" وأجهزة المخابرات السورية على هذه المصالحة، وصولاً الى تفجير مسجدي "السلام" و"التقوى".

ـ       بادر الرئيس الحريري الى إجراء حوار مع "التيار الوطني الحر"، تناول انهاء الشغور في موقع رئاسة الجمهورية ومعالجة الخلافات السياسية، وهو حوار أفضى إلى تشكيل حكومة "المصلحة الوطنية" برئاسة الرئيس تمام سلام، إثر فتحه ثغرة في الجدار السياسي المسدود من لاهاي،بالتزامن مع إنطلاق أعمال المحكمة الدولية، واتخاذه قراراً بقطع الطريق على مسلسل تعطيل المؤسسات الدستورية. ـ     لم يترك الرئيس الحريري سبيلا لوضع حد للشغور في الرئاسة الا ولجأ اليه. فكان التصويت للدكتور سمير جعجع مع سائر كتل 14 آذار النيابية، والنزول المتكرر الى مجلس النواب لانتخابه، ثم كان تبنّي خيار الرئيس امين الجميل الذي لم يجد ايضا اي تجاوب من الطرف الآخر.

وفي ظل انسداد الافق امام مرشح توافقي لجأ الى تأييد ترشيح النائب سليمان فرنجية، مراهنا على ان يتحول الى مرشح توافقي. وهو رهان لم يصل إلى النتيجة المتوخاة منه، فيما البلاد تواجه مخاطر التخبط في أزمات اقتصادية واجتماعية، وتقف على شفير تحولات اقليمية وتحديات أمنية تنذر بأوخم العواقب، فكانت المبادرة لتبني ترشيح العماد ميشال عون، وكسر حلقة الشغور في موقع الرئاسة الأولى، ورسم معالم مرحلة سياسية تصالحية جديدة، نتطلع الى ان تتشكل قيمة وطنية مضافة في رصيد الدولة ومؤسساتها الشرعية.

لقد بادرت قيادة التيار الى اختراق الأبواب الموصدة في هذا المجال، على الرغم من إدراكها للمزاج العام لجمهورها وجمهور العديد من شركائها، وذلك وعياً منها لأهمية وجود شخصية مسيحية على رأس السلطة في لبنان، ولمخاطر الاهتراء الذي ينشأ عن استمرار الشغور، ويضع سائر المؤسسات الشرعية ومواقع السلطة في مهبّ الخلافات والتجاذبات.

لقد فتح الرئيس سعد الحريري نافذة على مواقع الخصوم، وتبنّى ترشيح العماد ميشال عون، الذي بات اليوم رئيساً لكل اللبنانيين، والمؤتمن، بحكم الدستور واتفاق الطائف، على توحيد جهود الجميع حول الدولة ومؤسساتها، وإعادة إنتاج التوازن في إدارة السلطة وشؤون البلاد، وحماية العيش المشترك بين ابنائها، وتقديم الولاء للبنان ومصالحه العليا على أية ولاءات خارجية.

إن رئيس الجمهورية هو رأس النظام اللبناني، وليس رأس حربة للدفاع عن أي نظام إقليمي وتسليم مصير لبنان للإرادات الخارجية.

ـ       إلى ذلك وافق رئيس التيار على دعوة الرئيس نبيه برّي والنائب وليد جنبلاط الى حوارٍ ثُنائي مع "حزب الله" برعاية الرئيس بري لتخفيف التوتر الشيعي/السني، ومعالجة بعض الملفات الأمنية، ومسألة الشغور في رئاسة الجمهورية. الا انه وبحكم التزام الحزب بأجندة السياسات الإيرانية، كان تعاونه في أكثر المسائل شبه معدوم، ما حال دون حل اكثر الملفات الشائكة. ولا يبقى من هذا الحوار سوى كونه نافذة لتنفيس الاحتقان المذهبي المشتعل في انحاء المنطقة.

إن حوارالتيار مع "حزب الله" لم يمنعه من تأكيد موقفه المبدئي والحاسم من سلاح الحزب، بانه سلاح غير شرعي، ونقيض للدولة وتهديد جدي للسلم الأهلي. وهو ما ينطبقعلى موقف التيار مما يسمى "سرايا المقاومة"، التي ليست سوى بؤر فتنة وجيوب عمالة لاجهزة المخابرات الايرانية والسورية.

 

الكتلة والعمل السياسي والتشريعي

ظلّت الكتلة النيابية منذ انتخابات عام 2009 تجتمع أُسبوعياً وتُصدرُ بياناتٍ تتابع فيها الأحداث على الساحتين اللبنانية والعربية. كما شاركت في أعمال الحوار الوطني في القصر الجمهوري في عهد الرئيس ميشال سليمان، وفي الحوارات التي يرعاها رئيس مجلس النواب نبيه بري. وتقدمت في هذه الحوارات بالخطط الضرورية لاستيعاب مشكلة السلاح غير الشرعي، كما تقدمت بالرؤى لقانون مختلط للانتخابات، وبخطط لتجاوز الأزمة الاقتصادية، ومسائل تطبيق اللامركزية الادارية. بيد أنّ مفاعيل بيانات الكتلة وأعمالها ظلت محدودة، بسبب عظم التحديات، وإقفال مجلس النواب غالباً، وعدم وجود تنسيق حقيقي بين الكتلة ووزراء تيار "المستقبل" وحلفائه في الحكومة.

كما برزت تباينات، في بعض الأحيان، في مستويات التعبير عن المواقف السياسية بين أعضاء كتلة "المستقبل"، ما أتاح الاستغلال الاعلامي والسياسي من جانب الخصوم، والكلام على "حمائم" و"صقور" في التيّار، وعن وجود سياسات أو اتجاهات داخله تعكس مناخاً من التناقضات وصلت حدود الحديث على خلافات ومراكز قوى داخل الكتلة.

وسرى الشلل على أعمال المجلس النيابي أيضاً، بسبب العجز عن انتخاب رئيس للجمهورية. وقد مدَّد المجلس لنفسه مرتين، تنتهي ثانيتهما في حزيران عام 2017. وهذا كله ناجمٌ عن تعطيل الحزب بوهج سلاحه للمؤسسات الدستورية. لكن نواب كتلة "المستقبل" ظلوا ناشطين في اللجان وفي جلسات الهيئة العامة، على قلتها، وتقدموا باقتراحات قوانين، أبرزها اقتراح قانون البطاقة الصحية الموحدة، ومارسوا مسؤوليتهم في الاستحقاقات الدستورية كافة، في ظل ضغوط سياسية وأمنية واجهت عمل المجلس التشريعي الذي تراجع بصورة ملحوظة منذ العام 2006، حيث أقفل البرلمان لفترة طويلة بفعل سياسة التعطيل.

 

المكتب السياسي

لم تكن اجتماعات المكتب السياسي للتيار منتظمة في حضور الرئيس سعد الحريري، وتوقفت طويلاً في غيابه. وما كان لذلك مبررٌ، لأنّ للرئيس نواباً يمكن أن تنعقد جلسات المكتب برئاسة واحد منهم.

لقد أثر ذلك سلباً ليس على أعضاء المكتب فقط، بل وعلى الروح المعنوية والمسار التنظيمي في التيار.

وهكذا فقد كانت أكثر مبادرات الرئاسة السياسية تجري بدون علم المكتب السياسي، وما كان ممكناً الاجتماع والتشاور في المستجدات أو في الانتكاسات أو دواهِمِ الأحداث. وأدّى غياب الرئيس الحريري عن لبنان لمدة 4 سنوات إلى وقوع التيّار في حال من الإرباك والتردّد إزاء مسائل أساسية كانت مطروحة، وتمت إدارة الشأن التنظيمي بالمراسلة خلافاً لأصول العمل الحزبي.

 

الأمانة العامة والتنظيم

عملت الأمانة العامة لتيار "المستقبل" بعد العام 2011 في ظروفٍ بالغة الصعوبة. فقد اشتدت الضغوط على التيار في المدن والأرياف. ولتلك الضغوط مصادر عدة، من بينها خطة "حزب الله" لاختراق جمهور "المستقبل"في المناطق، من خلال الخدمات والإنفاق على بقايا التنظيمات والشخصيات المتحالفة مع النظام السوري. ودعمها بالسلاح والمخصصات المالية وانشاء ما سمّي "سرايا المقاومة"، فيما تراجعت قدرة التيار على أداء الخدمات الاجتماعية لتضاؤل الموارد، خصوصاً في مجال الدعم الصحي والتربوي وعجز المستوصفات عن تلبية المهام التي أنشئت لأجلها.

وجاءت الحرب السورية ومعها ضغوط اللجوء السوري إلى المناطق اللبنانية، وما كانت لدى التيار القدرة على مواجهة هذه الموجة الهائلة، على صورة ما واجهته منسقية "المستقبل" في عرسال.

على أنّ الضغوط على التيار وأمانته العامة لم تقتصر على هموم الخدمات واللجوء السوري وتحديات الحزب واختراقاته. بل ظهرت تحدياتٌ أمنيةٌ نتيجة الحماسة لدى شباب جمهور التيار للثورة السورية، وانهماك بعض الأجهزة المحلية والإقليمية في الاختراق والاستدراج وخدمة النظام السوري وتنسيقها معه وفي المناطق الحدودية بالذات.

وما اقتصر الأمر على المناطق الحدودية مثل عكار وعرسال ومجدل عنجر، بل وصل إلى طرابلس وصيدا ومناطق البقاع المختلفة. وما أمكن التنظيم وقياداته التوفيق بين الحماسة للثورة السورية، والحيلولة في الوقت نفسه دون وقوع الشباب من محيطه في قبضة الأجهزة، أو قبضة المهرِّبين، وخلايا التطرف التي بدأت بالظهور. وخلال ثلاث سنوات من هذا المخاض، ووقوع أحداث مفجعة، بدأت علاقات الشك والتوجس والسلبية تسود بين جمهور التيار من جهة، والأجهزة الأمنية والعسكرية من جهة أخرى. وهذا كله وسط الموقف الواضح لقيادة التيار ورئيسه بدعم الجيش والقوى الأمنية الشرعية، ورفض الانجرار الى أي ردود فعلٍ شعبوية تقود البلاد لساحات الصراع المذهبي وتداعياته المدمرة.

 

التيار والتثقيف ومكافحة التطرف

أصدر التيار كتيّبات تثقيفية عدة خلال الأعوام الماضية، ومن بينها وثيقةٌ عن "الربيع العربي"، وأُخرى عن الدولة والطائف والدستور. وعملت الأمانة العامة، بطلبٍ من رئيس التيار، على إصدار وثيقة عن الدولة المدنية. وظلَّ خطابُ الاعتدال ومكافحة التطرف والإرهاب، ورفض السلاح غير الشرعي الذي يمارس العدوان على الشعبين اللبناني والسوري، حاضراً في خطابات رئيس وقادة التيار. ونظّم التيار مئات الندوات التثقيفية والسياسية في المنسقيات والمناطق كافة، كما أنشأ أكاديمية للتثقيف السياسي في ثلاث محافظات. لكن برغم ذلك، فان الحركة التثقيفية وجهودها في أوساط التيار، لم تصل بعد الى أوساط الجمهور الواسع. وهذا يتطلب مزيداً من الجهد في هذا الاطار.

لقد استطاع تيار "المستقبل" في الظروف الصعبة التي مرّ بها لبنان، ومرَّ بها جمهوره، أن يحتفظ بتماسُكٍ بنيته، وبمسارٍ سياسيٍ واضح. وستوضح أمانته العامة في تقريرها التنظيمي ما قامت به من أعمالٍ وجهودٍ لصون التماسُك والصدقية في السنوات الملحمية الماضية. أما في الجانب السياسي فإنّ التيار وقع تحت التأثيرات السلبية للتباعد بين القيادة والقاعدة، والاستنزافات الحادة التي عانى منها جمهوره. كما ضاع صوت التيار المعتدل والمتميز وسط صُراخ التطرّف، وتحت وطأة قعقعة السلاح المشهر للقتل والتهجير والترهيب. وقد يكون ذلك كله سبب المفارقات في الانتخابات البلدية في طرابلس، والتي كادت تحدث في انتخابات بيروت.

الاعتدال قوة. لكنه لا يكون جذاباً في أزمنة الأزمات الحادة.

 

التيّار و14 آذار

إن التنظيم السياسي لتيار "المستقبل" هو نتاج حقبتين من العمل الوطني في لبنان: حقبة الرئيس الشهيد رفيق الحريري التي نقلت لبنان من زمن الحرب الأهلية وسقوط الدولة تحت هيمنة الميليشيات المسلحة، الى زمن المصالحة الوطنية وإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها الشرعية. وحقبة انتفاضة الاستقلال في الرابع عشر من آذار العام 2005، التي أنهت ثلاثة عقود من هيمنة النظام الأسدي على مقدرات الحياة الوطنية، وأسست لمشهد وطني، غير مسبوق، يرفض التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية اللبنانية.

وتيار "المستقبل" مؤتمن بهذا المعنى، المفاهيم السياسية والوطنية لهاتين الحقبتين، اللتين تلتقيان عند شهادة الرئيس رفيق الحريري، الحدث المفصلي في تاريخ لبنان، والذي شكل قاعدة الانطلاق الكبرى لحركة الرابع عشر من آذار.

تؤكد مبادئ حركة الرابع عشر من آذار مفاهيم العيش المشترك والعبور الى الدولة ورفض النزاعات المسلحة بين مكونات الشعب اللبناني، وحق لبنان في تحرير ارضه وبسط سلطاته الشرعية على كامل ترابه الوطني، والتمسك بحصرية السلاح بيد الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية الشرعية، ومعارضة كل أشكال الارتهان السياسي والعقائدي والثقافي والاقتصادي للخارج، وتجديد الثقة بقدرة اللبنانيين،مقيمين ومغتربين، على إعادة إعمار بلدهم وعلى دورهم المميز في محيطهم العربي.

هذه المفاهيم، الى كل ما نص عليه الدستور اللبناني وما توافق عليه اللبنانيون في اتفاق الطائف، هي أمور لن تكون محل مساومة أو مراهنة مهما تعاظمت التحديات، وهي القواعد التي ارتضينا أن تتشكّل منها أهداف ورؤى وتطلعات تيار "المستقبل"، بل هي المساحة التي تتقاطع عندها الحقبة الوطنية لمسيرة رفيق الحريري مع الحقبة الوطنية لانتفاضة الرابع عشر من آذار.

اذا كان يتعذّر على تيار "المستقبل"، الفصل بين انتمائه للحريرية الوطنية وبين نشأته كتنظيم سياسي، سيكون من المتعذّر عليه أيضاً فك الارتباط مع صعوده الاستثنائي من خلال الحاضنة الوطنية التي شكّلتها انتفاضة 14 اذار.

إن التلازم بين تيار "المستقبل" وبين حركة 14 اذار، يقترب من حدود التماهي السياسي، ويرتّب على التيار خصوصاً مسؤوليات وطنية وأخلاقية تجاه تلك الحركة الاستقلالية التي أشعلتها شهادة رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط

لقد سادت حالة الوهن والارتباك حركة الرابع عشر من آذار خلال السنوات الاخيرة، وهي أصابت تيار "المستقبل" في الصميم، بمثل ما أصابت المكوّنات السياسية الأخرى، لكن الإصابة المباشرة وقعت على فكرة الاجتماع اللبناني غير المسبوق، وعلى الأهداف الوطنية النبيلة للقوى والأحزاب والشخصيات والبيئات السياسية التي اجتمعت تحت علم لبنان والولاء للدولة اللبنانية، دون سواها من الولاءات والانتماءات.

إنّ تيار "المستقبل" مدعو الى بذل كل جهد مستطاع لوقف التفكّك السياسي لحركة الرابع عشر من اذار. ومن غير الجائز لقيادة التيار ان تقف مكتوفة الأيدي تجاه تفكك هذه الحاضنة السياسية الوطنية، وهي مطالبة، في ضوء المستجدات التي انتجتها مبادرة انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، وإيلاء رئاسة الحكومة إلى الرئيس سعد الحريري، بالعمل على إعادة إنتاج مفهوم الاجتماع الوطني، الذي تكافلت جهات داخلية واقليمية على كسره وشرذمته، وشكّل التصدّع المتنامي بين مكوّنات اذار عاملاً اساسياً في تراجعه.

إن تجديد الروح في منطلقات واهداف الرابع عشر من آذار ليست دعوة الى تجديد الاصطفاف السياسي والانقسام العمودي في البلاد، بل هي مهمة وطنية ترقى الى مستوى كسر الاصطفاف المذهبي العمودي، الذي أرادوا له أن ينشأ فوق أنقاض 14 اذار ومكوّناتها السياسية، التي كانت، ويجب أن تبقى، على صورة لبنان.

ان الخلافات على الأدوار والأحجام والحصص السياسية، وعلى بعض المبادرات والتوجّهات والقراءات الصحيحة أو الخاطئة من هنا وهناك، لا يصحّ أن تشكل مادة لتبرير إقفال المساحة الوطنية التي أتاحتها 14 اذار، واستبدالها باللجوء السياسي الى المكوّنات الطائفية، على مثال القوى والأحزاب التي أقفلت أبواب الولاء للمصلحة الوطنية وقررّت أن تذهب بطوائفها الى المحارق المحيطة.

فلا الخلاف على قانون الانتخاب، ولا الخلاف على المشاركة في الحكومة، ولا الخلاف على الحصص النيابية، يمكن ان يكون سبباً للتسليم بتفكّك 14 اذار، وتسريح جنودها المعلومين والمجهولين، في الأمانة العامة والمجلس الوطني، ومعهم الجمهور العريض من اللبنانيين الذي نزع عنه رداء الطائفية والمذهبية ليرفع شعار مصلحة لبنان فوق كل اعتبار.

 

الهيمنة الإيرانية المقنّعة

لقد رفض الرئيس الشهيد رفيق الحريري، تقديم التغطية الدستورية والسياسية للتطاول المخابراتي السوري واللبناني المشترك على الحياة الوطنية، وهو دفع الأثمان الباهظة لذلك من كرامته ودوره وحضوره السياسي، وتعرّض لموجات متتالية من الحملات السياسية والإعلامية وعمليات التشهير والملاحقة التي لم تتوقف الى يوم استشهاده في العام.

وإذا كان التاريخ كفيلاً بأن يروي يوماً، حقائق العلاقة بين الرئيس الشهيد وبين النظام السوري، والتي لم تَغِبْ عنها لساعة واحدة، إرادته في السعي الدؤوب والمتدرّج لانتزاع لبنان من براثن الهيمنة الأمنية والسياسية السورية، وتعزيز مكانة الدولة ومؤسساتها واستعادة دورها في المجتمعين العربي والدولي، فان تيار "المستقبل" خطا في دروب الاعتراض على زمن الوصاية خطوات كُتبت بدماء نخبة من شهدائه، وهو لن يقبل تحت أي ظرفٍ من الظروف استبدال الوصاية السورية بأي وصاية داخلية أو خارجية اخرى على لبنان، سواء كانت عربية او أجنبية، وسواء حملت أوهام الدعم المالي والصاروخي المباشر، أو خرجت على اللبنانيين بأقنعة المقاومة والممانعة الإيرانية.

هناك انطباع سائد منذ سنوات بأن لبنان يخضع لهيمنة إيرانية مقَّنعة، تأسست في 8 آذار 2005، أي بعد أقل من شهر على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهي هيمنة أرادها حلفاء سوريا بقيادة "حزب الله"، أن تقوم مقام الهيمنة السورية الآيلة في حينه الى الانسحاب.

وإذا كان هذا الانطباع يعكس جانباً من الحقائق السياسية والأمنية والعسكرية التي يمثلّها "حزب الله"، وتعبّر عنها وسائل التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية اللبنانية، فان تيار "المستقبل" قد شكّل رأس الحربة السياسية في مواجهة التغلغل الإيراني في الحياة اللبنانية، والمشروع الفارسي الجاري وضعه منذ سنوات لتغيير طبائع المجتمع اللبناني، خصوصاً في مناطق تواجد اللبنانيين من أبناء الطائفة الشيعية.

إن تيار "المستقبل"، مع التزامه الكامل مقتضيات الوفاق الوطني وحماية السلم الأهلي، ومع إصراره على رفض الانجرار الى هاويات الفتن المذهبية وحرائق الصراعات المنتشرة في العالم العربي، سيبقى في الموقع الذي اختاره بعد طرد النظام السوري من الحياة الوطنية اللبنانية، وهو لن يتوقف عن الدعوة الى تحرير البيئة الحاضنة للتدخّل الإيراني من أوهام هذا الاحتضان، ورفض الاستقواء بالدعم الايراني وأدواته المسلحة، على الدولة وشرعيتها وحقّها في حصرية بسط سلطتها على كامل أراضيها.

إن اللبنانيين، بمن فيهم أبناء الطائفة الشيعية، يدركون أن "حزب الله" يشكّل منظومة سياسية وعسكرية تعمل بوجهين: لبناني وايراني، وان التدخل الايراني في الشأن اللبناني قائم من خلال هذا التداخل، الذي لم تكن له وظيفة منذ اكثر من عشر سنوات، سوى تخريب قواعد العيش المشترك وتعطيل الحياة الدستورية والسياسية، والعمل على عزل لبنان عن محيطه العربي.

إن الإقرار بلبنانية "حزب الله" وما يمثّله في الطائفة الشيعية، لا يلغي شهادة المنشأ الايرانية للحزب، ولا يعطيه أيَّ حقوق شرعية أو قانونية باستخدام لبنان ليكون ممرّاً أو مقراً لمشاريع طهران في المنطقة. وإن المبادئ التي ترعى تواصلنا مع هذا الحزب، ستبقى محكومةً بما تقتضيه المصلحةُ الوطنيةُ العليا، وما تفرضه موجبات حماية الساحة الوطنية من مخاطر فتنة سنية-شيعية، وهي لن تنزلق، في أي لحظة، لتقديم براءات ذمّة لممارسات الحزب وتجاوزاته لسيادة الدولة وحدود الاجماع الوطني، وحروبه العبثية في سوريا والعراق واليمن وغيرها، وإصراره على اعتبار المرجعية الايرانية، السياسية والدينية والأمنية، أساساً يتقدم على مرجعية الدولة اللبنانية ومصالحها، ويلغي دورها إذا اقتضى الأمر.

 

المأزق السياسي

يواجه الطبقة السياسية اللبنانية لائحة اتهامية متعدّدة العناوين، تجعل النظام هدفاً للاصابة الدائمة بسهام الفشل والتقصير والاهمال والفساد والعجز عن رعاية شؤون المواطنين وإدارة الشأن العام. وقد عمق هذا الوضع عدم استكمال تطبيق اتفاق الطائف.

ولم يكن تيار "المستقبل" في منأى عن الإصابة بتلك السهام، التي كانت، وعلى مدى سنين طويلة، مُركّزة في اتجاهه، لأهداف وغايات تتجاوز حدود مسؤولياته المباشرة عن المشاركة في السلطة خلال العقدين الأخيرين، الى سياسات وأغراض محلية واقليمية، تولّت تنظيم أشرس حملة تشويه في تاريخ لبنان ضد التجربة الحريرية، ونتائجها المالية والاقتصادية والاجتماعية، وهي الحملة التي لم تتوقف عند حدود اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فواصلت الدوران في حلقات التجني والاحقاد، وتسببت بفتح جرح عميق في الجسد اللبناني لم يندمل حتى الان، وأضافت إلى أمراض النظام الطائفي آلاماً ومضاعفات سلبية كثيرة.

وقد يكون الحراك المدني الذي شهدته بيروت وبعض المناطق خلال الأشهر الأخيرة، أبرز علامات الاعتراض على النظام السياسي ورموزه، وتوسيع رقعة الاتهام لتشمل ما سمي بالطبقة السياسية الحاكمة، من رؤساء وقيادات وأحزاب ووزراء ونواب وشخصيات ورجال دين، وكل من هو في مواقع السلطة العامة وأجهزتها ومؤسساتها القيادية.

وكان من الطبيعي لهذا الحراك ان يجد تعاطفاً في أوساط اللبنانيين من كل الفئات والطوائف، وأن ينجح في كسر الاصطفاف الطائفي والمذهبي، الذي سبقته اليه حركة الرابع عشر من آذار، ليجمع المزاج اللبناني العام حول قضايا مطلبية وحياتية، أشعلتها أزمة النفايات المهينة، وعجز الإدارات الحكومية المختصة عن رفعها من الشوارع، وجعلتها عنواناً لإعلان اليأس الوطني من الطبقة الحاكمة والنظام السياسي.

لقد نجح الحراك المدني في وضع الجميع في موقع الإدانة، على رغم محاولات العديد من وجوه العمل السياسي والحزبي التلطّي خلفه، لأهداف كانت كافية لتشتيت قوى الحراك واستنزافها في سباق محموم الى الواجهة الإعلامية.

غير أن الحراك يستطيع أن يسجّل لنفسه وللوجوه البارزة فيه، نجاحه بحشر النظام السياسي في زاوية أزمة النفايات، ودفعها الى استنفار كل الجهود لمعالجة الأزمة ومخلفاتها.

والواقع ان هذا النظام ما زال مكشوفاً على مخاطر وتحديات وأزمات، تتحمّل قيادة تيار "المستقبل" مسؤولية استثنائية في مقاربتها والتعامل معها ومواجهتها بحزم وشجاعة وشفافية لأنها لم تنفكّ تبلور منذ مرحلة النهوض مع مؤسس التيّار آمال وطموحات اللبنانيين في دولة فعلية.

وسيكون من المفيد في هذا الإطار، وللوقوف على الأسباب العميقة لنقاط الضعف في النظام السياسي، الإضاءة على العوامل والاعتبارات الآتية:

ـ       لا يمكن في باب توصيف النظام السياسي عزلُهُ عن تركيبته الطائفية، كما لا يمكن الحديث على الطبقة السياسية الحاكمة من دون الشروع في توزيعها على خانات الطوائف. وهنا مكمن الخلل أو مكمن الداء في النظام اللبناني، الذي رغم التجارب المريرة التي توالت عليه قبل الاستقلال وبعده، ما زال يعاني من الأسر الطائفي ومضاعفاته على المجتمع والدولة والعلاقات بين اللبنانيين.

لقد أيقظت الحرب الأهلية، بين منتصف السبعينات وأواخر الثمانينات، وحوش الطوائف في كل الاتجاهات، وأنتجت مناطق صافية وأخرى مغلقة وإدارات أمنية ومالية ذات طابع مذهبي، جرى العمل بعد اتفاق الطائف على تدجينها وإعادة هيكلتها في نطاق السلام الوطني، والآليات التي اعتمدت في تكوين السلطة وتوزع المواقع الدستورية والإدارية.

في ظل الصراعات الإقليمية التي واكبت اتفاق الطائف، والسطو الأسدي عليه والقوى المكلّفة وضعه موضع التطبيق، لم يكن ممكناً التخفيف من حدة الاصطفاف الطائفي الذي وجد لنفسه بيئات حاضنة في مواقع السلطة.

لقد رسم اتفاق الطائف حدود العلاقة بين الطوائف اللبنانية وبين النظام السياسي، وتوصّل الى إنتاج صيغة فريدة للعيش المشترك وتعاون السلطات على إدارة الشأن العام، لكنّ التطبيق المجتزأ لهذا الاتفاق والأثقال الأمنية والمخابراتية والمذهبية التي وُضعت على كاهل لبنان، اتخذت من الطائف قاعدة لاحياء المواقع الطائفية واستنزاف القدرات على تطوير النظام وتجريده من سموم الولاء الطائفي.

2 ـ    عادةً ما يتردّد في الأدبيات السياسية والشعبية أنّ الطائفيةَ هي لعنةُ لبنان. فكيف يمكن أن يكونَ عليه الحال عندما تتكاملُ لعنةُ الطائفية مع لعنة تحويل هذه الطائفة أو تلك إلى كيان مسلّح ؟

هذه المسألة عنوان جوهري من عناوين الخلل الذي يصيب النظام السياسي، ويجعله رهين العجز والابتزاز والمحاصصة، فيما يراه البعض مصدراً من مصادر قوة النظام، ويبرّر وجود السلاح أصلاً، بضعف الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية وتقصيرها في حماية السيادة والحدود وسلامة المواطنين.

إنّ معاناة لبنان مع انتشار السلاح واستخدامه خارج نطاق سلطة الدولة، هي معاناة مزمنة تشكّلت على وقع الوجود الفلسطيني المسلّح في المخيمات، وانتقال قيادة منظمة التحرير الفلسطينية الى بيروت، ونشوء ما عرف،في مطلع السبعينات،بـ "فتح لاند" في منطقة العرقوب على الحدود اللبنانية - الفلسطينية.

وقد استثار هذا السلوك الأحزاب المسيحية وقياداتها ومواقع عدةً في السلطة والجيش اللبناني، وأدى مع الوقت الى تأسيس مجموعات حزبية مسلحة، تحولّت الى فرق عسكرية مُدرّبَة بعيد اندلاع الحرب الأهلية في نيسان 1975.

إنّ الوجود الفلسطيني المسلّح في الجنوب والمخيمات، ونشوء ظاهرة الميليشيات المسلحة لدى الاحزاب المسيحية، وانتقال العدوى الى الفريق الاسلامي والأحزاب اليسارية المتحالفة مع الفصائل الفلسطينية المسلحة، عوامل اجتمعت على تنظيم الاهتراء المتواصل في الدولة ونظامها السياسي.

وإذا كان اتفاق الطائف قرّر وضع اليد على هذه المسألة، وعلاجها من خلال مشروع استيعاب الميلشيات في الجيش اللبناني، وسحب السلاح الثقيل من الميليشيات الحزبية، فإنّ السلطات المولجة بتطبيقه، بقيت قاصرةً عن معالجة كل جوانب الانتشار المسلّح، خصوصاً في المناطق والجهات الحزبية الموالية للنظام السوري.

وشكل دخول ايران على المعادلة المذهبية في لبنان، وتأسيسها "حزب الله" كتنظيم عقائدي مسلح بأمر مباشر من الولي الفقيه علامات اقليمية ومحلية فارقة في مسيرة استخدام السلاح خارج نطاق الدولة ومؤسساتها الشرعية.

ولعلّ أخطرَ ما في الكيان العسكري لحزب الله، تجاوز حدود الدور الذي أنيط به، بتغطية وطنية لمقاومة الاحتلال الاسرائيلي، فاستغل موقعه المتقدّم في الطائفة الشيعية، ومشاركته في السلطتين التشريعية والتنفيذية، لفرض وقائع أمنية وعسكرية تتولّى مهمات إقليمية بمعزل عن الدولة اللبنانية وأنظمتها وقوانينها ومسؤوليتها عن قرارات السلم والحرب.

إننا حيال هذا الواقع،أمام نظام سياسي هو رهينة الاستقواء بالسلاح، وأمام طبقة سياسية حُكم عليها بالتعايش مع السلاح غير الشرعي.

إن انتشار السلاح غير الشرعي في أيدي لبنانيين ومقيمين على أرض لبنان، وقيام ميليشيا ما يسمّى "سرايا مقاومة" وتنظيمات وأحزاب سياسية مسلّحة لبنانية وفلسطينية أو غيرها، تتّخذ لنفسها حقوقاً غير قانونية باقتناء السلاح واستخدامه بدعوى المقاومة ومواجهة المخاطر ومشاركة الدولة في مسؤولياتها الأمينة والعسكرية، هي أمور تشكّل الأساس في عدم انتظام الحياة الوطنية ودور الدولة في إدارة الشأن العام.

إن السلاح غير الشرعي ليس قدراً يُفرض على اللبنانيين بارادة هذه الدولة أو تلك، وبغطاء هذه الطائفة أو تلك، وان معالجته في إطار المؤسسات الشرعية المعنية، وفي إطار الحوار الوطني، يجب أن يبقى في أولوية القضايا الوطنية واهتمام القيّمين على الشرعية ومؤسساتها.

3- لعنة الفساد: إنّ الفساد، هو السلاح المضاد للكفاءة والتطوّر والحداثة والشفافية والرقابة والمحاسبة والإصلاح الاداري وعمل المؤسسات وصون المال العام.

هذه التهمة من أسوأ التهم التي تلطخ سمعة النظام السياسي في لبنان، لارتباطها بالهموم المباشرة للمواطنين وقضاياهم الحياتية والاجتماعية ويومياتهم المالية والاقتصادية.

وبالعودة الى السجل التاريخي لهذه اللعنة، في الإمكان التوقف عند محطات عمرها من عمر الجمهورية اللبنانية،أصابت بشظاياها معظم العهود والشخصيات والأحزاب التي تعاقبت على تولّي السلطة.

والحرب الأهلية كانت أكبر مصنع لإنتاج الفساد، والجسر الذي عبرت عليه جموع الفاسدين في طوائفهم وقواها المسلحة، الى الدولة وإداراتها وأماكن الارتزاق فيها.

ومع ان اتفاق الطائف خصّص عناوين محدّدة للإصلاح، بينها إلغاء الطائفية السياسية، واعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة، وإنشاء مجلس دستوري، وإنشاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي للتنمية، فان مخلّفات الحرب الأهلية أثقلت الادارة اللبنانية بأرتال من المنتفعين، الذين يتقاضون الرواتب من الدولة لقاء ما يعادل صفراً من الانتاج.

وقد حاول الرئيس رفيق الحريري في عهد الرئيس الياس الهراوي، ان يقارب هذه القضية، وتقدم بمشروع قانون للإصلاح والتطهير الاداري، انتهى الى تواطؤ العديد من القوى السياسية مع نظام الوصاية السورية على إجهاض فكرة الاصلاح، وباتت إنجازات الرئيس الحريري الإعمارية والإنمائية والتربوية والاجتماعية، وإطلاق عجلة استثمار غير مسبوقة في تاريخ لبنان، هدفاً يومياً للنيل من سياساته ورؤيته لانتشال لبنان من الحفرة التي وقع فيها لأكثر من ربع قرن.

والظلم السياسي الذي وقع على الرئيس الحريري مع وصول العماد أميل لحود الى الحكم، حاولوا تغطيته بأقنعة اصلاحية عبر إنشاء ما سُمي "غرفة القضايا" في القصر الجمهوري، التي أدارتهاأجهزة المخابرات اللبنانية - السورية المشتركة، وتخصّصت في فبركة الملفات القضائية لتشويه سمعة الحريري والفريق السياسي والاقتصادي والاداري العامل معه.

مسلسل الفساد مستمر منذ سنوات عديدة، وهو وصمة عار على سمعة لبنان، ولا تنجو من آثارها الاحزاب السياسية، بما فيها تيار "المستقبل"، الذي يجبُ أن يكون في مقدم مسؤولياته للمرحلة المقبلة مواجهة هذه المعضلة، ومكافحة بعض المتسلّقين إلى مواقع السلطة والإدارة، على حساب التيار واسم رفيق الحريري.

إن تيار "المستقبل" وبتوجيهات مباشرة من رئيسه سعد الحريري، يرفع الغطاء عن كل مرتكب وفاسد في أي موقع كان، وهو لن يتهاون مع صديق أو حليف أو منتسب، يتطاول على المال العام وحقوق الدولة والمواطنين. وهو لن يسكت عن حملات التجني والتزوير التي تطاول رموزه وقياداته والعاملين في صفوفه، خصوصاً عندما تصدر عن جهات أغرقت البلاد بالفساد والرشاوى وسلبت وارادات الدولة والمال العام. وهو يعتبر أن القضاء كان وسيبقى المرجع الصالح للفصل في هذه القضايا وإصدار الأحكام.

إنّ الطبقة السياسية، سلطةً ومعارضة، مدعوّة الى قراءة مسؤولة وغير مجتزأة لأزمة النظام السياسي والاسباب الكامنة وراء عجزه عن التطور ومواكبة أحلام اللبنانيين في قيام دولة مدنية حديثة، تتخّذ من التنوّع الطائفي مصدراً للغنى الثقافي والروحي، وليس وسيلة لتوزيع المغانم.

كما أن من المعيب على هذه الطبقة السياسية أن تكون عاجزةً بعد ثلاثين عاماً على إقرار اتفاق الطائف عن حلّ مشكلتي الكهرباء والمياه، وأن يكون الاعتداء على البيئة هو القاعدة المعمول بها لاستثمار الطبيعة خلافاً للقوانين.

إن تيار "المستقبل" المؤتمن على حماية النظام الاقتصادي الحرّ والعمل على تعزيز نظام التقديمات الاجماعية ينذر نفسه بوصفه تيار رفيق الحريري ليكون في خدمة الناس، ولا يصحّ لأي سبب التقصير في هذا المضمار. فقضايا طرابلس وعكار والضنية والبقاعَ والهرمل والجنوب وصيدا وجبل لبنان وبيروت والبترون وجبيل وغيرها من المناطق اللبنانية أمانة وضعها رفيق الحريري في عهدة التيار، ومن غير المقبول التفريط بها تحت أي ظرف من الظروف.

قيادات التيّار في المناطق والمدن والأرياف يفترض أن تكون مؤتمنة على متابعة قضايا الناس وهمومها وشؤونها وشجونها. فنحن لا ننتمي إلى تيار مهمته فبركة زعامات، صغيرة كانت أم كبيرة، وإنما إنتاج كفاءات وطاقات شبابية ونسائية هدفها أولاً وأخيراً خدمة الناس وخدمة لبنان.

ثلاث لعنات تمسك بخناق النظام السياسي : لعنة الطائفية ولعنة السلاح غير الشرعي ولعنة الفساد. آن للبنان أن يتحرّر من هذه القيود. وتيار "المستقبل" مسؤول عن قيادة معركة استرداد الدولة إلى اللبنانيين وكسر هذه القيود.

 

في المسألة العربية

لقد أعلن تيار المستقبل منذ قيامه التزامه بالانتماء العربي، وبالهوية العربية للبنان، وعمله المستمر على إحقاق هذه الهوية وتحقيق مقتضياتها في السياسات الوطنية، وفي السياسات الخارجية للبنان في علاقاته بدول الجامعة العربية، وهو الانتماء وهي الروابط التي تأكدت في الطائف والدستور.

إنّ تيار المستقبل يقول بالعروبة الحضارية التي تخرج على بعض المعاني السلبية التي كانت سائدةً لتعني أنّ العروبة ثقافة وليست اعتقاداً حصرياً ذا طابع إثني أو ديني. وفي هذين الاعتبارين وعليها تتزايد إمكانيات التقارب واللقاء بين المسلمين والمسيحيين للحفاظ على الاستقلال والسيادة في ظلّ العروبة الوطنية، وإزالت حواجز الانعزال من أي نوع بإسم الدين أو بإسم القومية. فالوطنية اللبنانية العربية ما عادت محرّماً ينشر التناقض مع الأحاسيس والمصالح القومية. إنّ هذه العروبة الجديدة المنفتحة هي ميزةٌ وكرامةٌ للبنان، وجزءٌ من فهمه لذاته ودوره في المنطقة والعالم.

 

التيار وسوريا

يدرك تيار "المستقبل" استحالة الفصل التام بين لبنان وارتدادات الحرب السورية، وما نشأ عنها من أزمات وتحديات أمنية وعسكرية واجتماعية واقتصادية وانسانية.

لكن التيار يدرك ويراهن في المقابل، على أن انتهاء الحرب في سوريا لمصلحة قيام دولة مدنية ديموقراطية حديثة، هي أعظم مكافأة يمكن ان يتلقّاها الشعب السوري مقابل التضحيات التي قدمّها، بمثل ما هي أثمن هدية يمكن أن يحصل عليها لبنان.

وإذا كان بعض العهود السورية، وفي مقدمها عهود "البعث" ومرحلة حكم عائلة الاسد، قد أسهمت في تخريب الحياة السياسية في لبنان، وضعضعت أركان الدولة لحسابات خاصة وعامة، فان الأكثرية الساحقة من اللبنانيين لا تختزل العلاقات الأخوية والتاريخية مع سوريا بحقبة الاستيلاء على قرارها الوطني، وتعلم علم اليقين ان مردود تحقيق السلام في سوريا سيكون إيجابياً على السلم الأهلي في لبنان، وعلى انتظام الحياة السياسية تحت سقف الدولة ومؤسساتها الشرعية.

وتيار "المستقبل" يرى سوريا بعيون أبنائها، الذين يواجهون باللحم الحي الصواريخ والدبابات والطائرات والبراميل المتفجرة، والذين اجتمعت على تشريدهم في أصقاع الدنيا، الكتائب المسلحة لبشار الاسد وحلفائه من ايران وروسيا وفصائل المرتزقة من لبنان والعراق وافغانستان، ومعها التنظيمات الإرهابية وفصائل التطرّف التي جاءت من كل حدب وصوب لتلتقي على تشويه أهداف الثورة السورية وطعنها في الظهر.

فالرهان على مستقبل سوريا، وعتقها من ربقة النظام الأسدي المجرم ومن ذُلّ التدخّل الايراني، هو رهانٌ سياسي وقومي وإنساني وأخلاقي بامتياز.

ليس خافياً على أحد أنّ تيار "المستقبل" قد أعلن انحيازه الكامل الى جانب قوى الثورة، منذ بداية الأحداث في سوريا، وجرى التعبير عن هذا الانحياز بشتى أشكال الدعم السياسي والإعلامي والإنساني.

وليس خافياً على أحد أيضاً أنّ تيار "المستقبل" رفض ويرفض زج لبنان في الصراع المسلح في سوريا، سواء كان لمصلحة النظام أو لمصلحة قوى الثورة، وهو لم يفوّت الفرصة تلوَ الفرصة، للتحذير من مخاطر التورّط في الحريق السوري، تحديداً بعدما استدعى المخطّط السوري - الايراني المشترك، الإرهاب الى الاراضي السورية، وشرَّع الحدود والمنافذ وأبوابَ السجون لإطلاق ودخول موجات متتالية من الإرهابيين ودعاة المطالبة بقيام دولة الخلافة الإسلامية.

ان خروج "حزب الله" على "اعلان بعبدا" واصراره على ان يكون جزءاً من الحرب السورية، وفصيلاً من فصائل الادارة الايرانية لتلك الحرب، هو جريمة سياسية واخلاقية وانسانية موصوفة بحق الشعب السوري وبحق العلاقات الأخوية اللبنانية - السورية، تتجاوز بأضرارها ومساوئها الحروب والنزاعات المسلحة التي نظمها وأدارها النظام السوري في لبنان.

وتيار"المستقبل"إذ يؤكد ادانته مشاركة"حزب الله"في أعمال القتل والتخريب والتدمير في سوريا وتشريد مئات آلاف المواطنين السوريين، ودفعهم الى النزوح في اتجاه لبنان والدول المحيطة، يعبّر عن ادانته ورفضه استقواء الحزب بالسلاح والمال الايرانيين على الدولة اللبنانية وسيادتها، واستخدامه الحدود الشمالية والشرقية للبلاد، ممرّاً لتجاوز القوانين ونقل السلاح وإقامة الإنشاءات العسكرية وإعلان الحروب، في الاتجاهات التي تحددها المرجعية الإيرانية الدينية والسياسية.

ان "حزب الله"، ومن خلفه القيادة الايرانية، يتّخذ من ادعاء قتال الارهاب، وسيلة للدفاع عن أسوأ نماذج الحكام في التاريخ العربي، وهو الأمر الذي لن يلقى من الأكثرية الساحقة من اللبنانيين سوى التنديد والاعتراض، والرفض المطلق لمبرّرات المشاركة وذرائعها.

وتيار "المستقبل"، قيادة ومحازبين وجمهوراً ينتشر على مساحة الوطن، مكلّف، أخلاقياً وسياسياً وقومياً، بإشهار هذا الرفض والدعوة المستمرة الى مغادرة الحرب على الشعب السوري وحماية لبنان من شظاياها المدمّرة.

إن وجود أكثر من مليون ونصف مليون نازح سوري على الأراضي اللبنانية، سبب موجب وإضافي لتوقّف"حزب الله" عن زجّ شبابه ومسلّحيه وأبناء الطائفة الشيعية في حروب متنقلة بين سوريا والعراق واليمن، وتسليم مقاليد الدفاع عن لبنان وحدوده للمؤسسات الأمنية والعسكرية الشرعية، دون سواها من الأحزاب والميليشيات والمتطوّعين للإنخراط في النزاعات المذهبية.

ان التحديّات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية الناشئة عن النزوح السوري، تتطلب سياسات رسمية واضحة، لن يكون من المجدي مقاربتها بردود فعل غير محسوبة، وفتح بازار المزايدات السياسية من هنا وهناك،لتأجيج العداء أو الرفض للنزوح، المفروض قسراً على الشعب السوري ويشارك فريق من اللبنانيين في فرضه وتوسيع نطاقه.

إن المسؤوليات التي يتحمّلها الجيش اللبناني والقوى الأمنية والجهات الحكومية الشرعية على هذا الصعيد جديرة بالتقدير والثناء، وتحظى بمواكبة ودعم تيار "المستقبل"، الذي يؤكد التزاماته الأخلاقية والأخوية تجاه الاشقاء السوريين، ويشدّد في الوقت ذاته على إقفال كل النوافذ أمام أية أفكار، محلية أو إقليمية أو دولية، يمكن أن تعطي النزوح السوري صفات الديمومة والعيش النهائي على الأراضي اللبنانية، انطلاقاً من مبدأ رفض التوطين، المكرّس في مقدمة الدستور، والمؤكد باجماع اللبنانيين.

ان تيار "المستقبل" يؤكد استحالة التلاعب بالنسيج الاجتماعي والانساني للمجتمع الوطني اللبناني، تحت أي ظرف من الظروف، سواء بدعوى مشاركة لبنان في تحمّل جزء من أعباء النزوح السوري، أو بدعوى تجنيس الهاربين من حمم التصفيات العرقية واستدعاء المحاربين القادمين من العراق وإيران وافغانستان وغيرها للاستيطان في حقولنا المذهبية، على مثال ما يجري في ضواحي دمشق وفوق أنقاض الأحياء المدمرة في حلب وحمص.

إننا مؤتَمَنون بحكم الانتماء والالتزام العربي، وبحكم الطائف والدستور، على عروبة لبنان هويةً وانتماءً. وقد عملنا منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، مع قوى الرابع عشر من آذار، والسواد الأعظم من الشعب اللبناني، على الوقوف في وجه التيار الإيراني الهاجم على لبنان والمنطقة، وذلك من خلال العمل الثقافي والسياسي السلمي وفوزنا في انتخابات العام 2005 والعام 2009، ومن خلال توثيق العلاقات مع العمق العربي في المملكة العربية السعودية ودول الخليج ومصر، والإصرار الدائم في الحكومات والمجالس النيابية على مرجعية الطائف والدستور، ودعم الجيش والقوى الأمنية الشرعية باعتبارها صمام الأمان في وجه الإرهاب والتطرّف، كما في وجه الفتنة وإمكان نشوب الصراعات الداخلية التي تستثيرها في كل آنٍ تصرفات إيران وأدواتها.

ولو تأمّلنا المشهد من حولنا في المنطقة اليوم، لوجدنا أنّ التدخلات الإيرانية المسلَّحة في لبنان وسوريا والعراق واليمن والبحرين، تقع في أصل مشكلات الفُرقة والنزاع والاضطراب. فلا عاصمَ لنا وسط هذا المخاض، غير الصمود مع إخواننا العرب في وجه النفوذ الإيراني. ذلك أنّ التضامُن العربي يحمي لبنان، والغياب العربي يُضْعِفُ لبنان ويتهدّد دولتَه وانتماءَه.

إنّ الشعب السوريَّ الشقيق، بنِسائه وأطفاله وشيوخه ومقاتليه ومناضليه، يخوض ملحمةً عزَّ نظيرُها، دفاعاً عن أرضه وانتمائه في مواجهة نظامه التابع والقاتل، وفي مواجهة التدخلات الأجنبية وفي طليعتها التدخّل الإيراني بجيوشه وميليشياته.

 

فلسطين والمقاومة

اتخذ الاختراق الإيراني للمجتمعات العربية من قضية فلسطين أداة لابتزاز الشعوب العربية. وخطّطت إيران لجسور عبور بهدف الاستيلاء على القرار الفلسطيني، وهو ما تختزله حالة "حزب الله" في لبنان أو الحالات الرديفة على صورة "أنصار الله" في اليمن وبعض الفصائل الفلسطينية - الإسلامية التي انضوت تحت الوصاية الإيرانية.

إن تيار "المستقبل" يؤكد الالتزام بقضية فلسطين باعتبارها قضية إنسانية وقومية عربية أولاً وأخيراً، وسيبقى في الموقع المتقدّم لنصرة الشعب الفلسطيني حتى إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. ويعلن تمسكه بمقررات قمة بيروت ومبادرة السلام العربية والقرارات الدولية ذات الصلة، وهو يرتضي ما يرتضيه الشعب الفلسطيني لنفسه بما يكفل عودة اللاجئين الى ديارهم وتأمين حقوق الشعب الفلسطيني المناضل على امتداد سبعة عقود من الصراع.

كما يجدّد التيّار تمسّكه ببسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها وإنهاء الاحتلال الاسرائيلي لكل شبر من الأرض، واعتماد الوسائل الشرعية لتحقيق ذلك ورفض أي توجّه أو سياسة يمكن أن يستدرجا لبنان إلى حروب جديدة على مثال حرب 2006.

إن تيار "المستقبل" يتمسّك بما نصّ عليه الدستور اللبناني، وهو أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصراً في يد المؤسسات الشرعية وليس في يد أي حزب أو أي جهة. وهو في هذا الصدد لن يوفر جهداً في دعم الجيش والمؤسسات الامنية اللبنانية لتحمّل مسؤولياتها كاملة. كما أن الزمن الذي استأثر فيه "حزب الله" بقرار اللبنانيين وإلحاقهم بسياسات مقرّرة في طهران قد ولّى بعد أن كان مفروضاً عليهم رغماً عن إرادتهم.

 

إصلاح القضاء

يشكل القضاء العادل والمستقل حجر الزاوية في استقرار المجتمعات، فهو الملاذ الأخير لفض النزاعات وحماية المواطنين من العنف، وحماية الحريات العامة، والملكيات الخاصة.

القضاء صمّام أمان النظام اللبناني ورادع ضد الفساد وسوء استعمال السلطة، وملاذ اللبنانيين في الاحتكام إلى القانون بدلاً من الاحتكام إلى السلاح أو أعراف القوة البدائية. وهذا يتطلّب التشدّد في ترسيخ استقلاليته والحدّ من تدخّل السياسة والأحزاب والرموز الطائفية في عمله، ليتمكّن من ممارسة مهامه بحرية ونزاهة، من دون تبعات سياسية أو مضاعفات أمنية.

إنّ تكريس مبدأ استقلالية القضاء يتطّلب توسيع صلاحيات مجلس القضاء الأعلى في التشكيلات والمناقلات القضائية، وزيادة عدد القضاة العاملين بهدف تسريع سير المحاكمات، وتعديل قانون إنشاء المجلس الدستوري لناحية تعزيز استقلالية أعضائه وتفعيل دور التفتيش القضائي، وتفعيل الأجهزة الدستورية (مثل مجلس شورى الدولة وأجهزة الرقابة العامة) التي تضمن تطبيق القانون، وردع الشخصيات السياسية، الرسمية وغير الرسمية، من استنساب تطبيق القانون وتأويل الدستور تأويلاً خاطئاً.

لابدّ من ترسيخ مبدأ أن لا أحد فوق القانون، قولاً وفعلاً. وحكم القانون هذا لا يستقيم إلا بسلطة قضائية قوية ومستقلة.

 

المحكمة الدولية

منذ العام 2005 بذلت قيادة تيار "المستقبل" وجمهوره جهوداً جبّارة من أجل إقرار قيام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وهو تحقق في العام 2007. وصدر قرار الاتهامي العام 2011 وبدأت المحكمة أعمالها العام 2014 واستمعت إلى إفادات شهود بينهم سياسيون وإعلاميون وخبراء ومقرّبون من الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ولا تزال موضع اهتمام بارز من التيّار لما تمثّله من أهمية وطنية ومن آمال لجهة معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة من خلال كشف الجهة أو الجهات التي دبّرت ونفّذت عمليات الاغتيال. وقد سُجّل في مسيرة المحاكمة مقتل المتّهمين الرئيسيين الثلاث القياديين في "حزب الله" وفي ظروف مختلفه، لاسيما في سوريا، فيما يرفض الحزب تسليم أي من المتّهمين الباقين الى العدالة.

وينتظر اللبنانيون عموماً، وتيار "المستقبل" خصوصاً، صدور الحكم في هذه الجريمة الإرهابية بعد تعذّر صدور أحكام مماثلة عن القضاء اللبناني على مدى عقود من الزمن، بما في ذلك جريمة اغتيال رئيس "شعبة المعلومات" اللواء الشهيد وسام الحسن الذي حقّق إنجازات غير مسبوقة في الحفاظ على أمن اللبنانيين واستقرارهم، كان آخرها اعتقال الوزير السابق ميشال سماحة بالجرم المشهود وهو ينقل متفجّرات حمّله إياها مسؤولون أمنيون تابعون للنظام السوري لتفجير السلم الأهلي في لبنان. كما سقط بعده مستشار الرئيس سعد الحريري الوزير السابق محمد شطح شهيداً في عبوة استهدفته على بعد أمتار من بيت الوسط، من دون أن تتمكّن السلطات الامنية والقضائية اللبنانية من معرفة الجهة المنفّذة، فيما نسجّل للقضاء إنجازات مشهودة في ملفات أخرى، بينها قضية محاولة اغتيال الوزير بطرس حرب، والقرار الاتهامي بجريمتي تفجير مسجدي السلام والتقوى في طرابلس، والقرار الاتهامي بمخطط اغتيال الوزير وليد جنبلاط، والحكم على المجرم ميشال سماحة.

 

خاتمة

في ضوء ما تقدّم، يجدد تيار "المستقبل" الالتزام بثوابته الوطنية التي أطلقها في مؤتمره الاول، وفي مقدمها "لبنان أولاً"، وبالتكامل بين نهائية لبنان (لجميع أبنائه) وبين هويته وانتمائه العربيين كما جاء في اتفاق الطائف، الذي كرّس الطابع الديمقراطي البرلماني لنظام الحكم، والمناصفة، والحريات العامة، والنظام الاقتصادي الحّر والاجماع اللبناني على رفض التجزئة والتقسيم والتوطين.

وإذ يؤكد تيار المستقبل اعتبار اسرائيل عدوا ً للبنان احتل أرضه ومارس العدوان ضد شعبه ودولته ومؤسساته، يتمسك بقضية فلسطين باعتبارها قضية العرب المركزية، وبالالتزام بالوقوف الى جانب الشعب الفلسطيني في سبيل قيام دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وتأكيد حقه في العودة.

كما يجدد التيار تضامنه مع الشعوب العربية الساعية الى الحرية والتغيير، والتي تخوض نضالاً مريراً ضد الارهاب، وضدّ الاستبداد المقّنع بشعارات الاستقرار والقومية والممانعة، التي زعزعت أسس العيش المشترك الأصيل في هذا الشرق، ومفاهيم المواطنة والمساواة. ويعرب عن إيمانه بالعروبة المدنية الحديثة التي تعكس أحلام الشباب، أي العروبة الديموقراطية التي تمثل المشترك الثقافي الجامع والحاضن للتعددية والتنوع، لا عروبة الشعارات أو عروبة الأنظمة العسكرية والقمع.

كما يكررّ التيار نبذ كل اشكال التطرف والتقوقع الطائفي والمذهبي، مجددا التأكيد على التزامه الثابت والنهائي بخيار الاعتدال، بوصفه السلاح الوحيد في وجه مربّعات التطرّف التي أعادت رسم خارطة المنطقة بالدماء، وعلى رأسها الجنون الداعشي والأسدي والايراني المتجوّل على متن أحقاد لا تمتّ الى ثقافتنا بأي صلة. ويعاهد اللبنانيين أن يبقى منصّة للاعتدال عصيّة على كل أسلحة الفتنة وبراميل الضلال المتفجرة. فالاعتدال قوة. وعدّو التطرف هو الاعتدال وليس التطرّف.

ان تيار "المستقبل" مؤتمن على حماية السلم الأهلي، بوصفه أميناً على إرث راعي هذا السلم، الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي نجح في إرسائه بعد جهود دؤوبة ومؤتمرات متتالية تُوّجت في الطائف، لتنهي حرباً أكلت الأخضر واليابس على مدى أكثر من خمسة عشر عاما.

ويجدد رفضه لأي سلاح غير شرعي، او للانزلاق الى استخدام سلاح مماثل، مع التأكيد على حق الدولة الحصري باستخدام القوة، باعتبارها الوسيلة الوحيدة لحماية اللبنانيين في الداخل وعلى الحدود.

كما يتمسّك التيّار بهويته العابرة للطوائف والمناطق والأجيال والطبقات. فهو ليس لطائفة او لفئة واحدة من اللبنانيين، بل هو تيّار كل اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، منتشرين في المناطق اللبنانية وفي بلاد الاغتراب. وسيسعى على الدوام لتوسيع مساحة التنوّع في صفوفه ليبقى على صورة لبنان ومثاله.

إن تيار "المستقبل" الذي واكب باعتزاز مسيرة الرئيس رفيق الحريري في إعادة إعمار لبنان، يتطلّع الى بث روح الاعمار من جديد في أوصال الدولة، ويجدد العزم، مع انتهاء أعمال مؤتمره الثاني، على مواكبة مبادرات الرئيس سعد الحريري بالمؤازرة والتأييد، وعلى بذل كل جهد مستطاع لحماية المسار المتجدد للوفاق الوطني، والبناء على ارادة اكثرية اللبنانيين بالعبور الحقيقي الى الدولة واعتبارها مرجعاً وحيداً للشرعية والسلطة وادارة الشأن العام.

مباشر الخميس 1/12/2016 -

عزيزي الزائر لقد قرأت خبر اخبار لبنان مباشر الخميس 1/12/2016 - التقرير السياسي لمؤتمر "المستقبل": تشديد على عروبة لبنان والتمسك بالاعتدال في موقع محيط نت ولقد تم نشر الخبر من موقع تيار المستقبل وتقع مسئولية صحة الخبر من عدمة علي عاتقهم ويمكنك مشاهدة مصدر الخبر الاصلي من الرابط التالي تيار المستقبل


اقرأ الخبر من المصدر

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

#
#

قد تقرأ أيضا